السبت، 6 أكتوبر 2012

شقة الاستاذ محروس...قصة قصيرة......محمد عبد العزيز

شقة الاستاذ محروس...قصة قصيرة
______________________________
كان محرما على ان تطأ قدمى ولو قيد أنملة ناحية شقة الاستاذ(محروس)
كانت أمى تنهرنى اذا مافكرت ان اقترب من هذه الشقة القاطنة فى الدور الاخير من عمارتنا المتهالكة بشبرا الخيمة.كانت تتوعدنى بالويل والثبور اذا مافكرت مجرد التفكير فى ان اتحدث مع الرجل أو ان ارد عليه.
كنت مازلت صغيرا, والصغار دوما يستبد بهم الفضول, وتداعب خيالهم التساؤلات,وعندما...

ألححت عليها ان تعطينى سببا لمنعى من الصعود, فأخبرتنى أن الاستاذ محروس يحضر الجن والعفاريت كل ليلة, وهى تخاف على أن يفترسنى أحد العفاريت.
ويبدو ان أصدقائى الصغار ايضا نسج ابائهم لهم قصصا أخرى قد تكون أشد رعبا من قصة امى, احدهم اخبرنى ان الاستاذ محروس مصاص للدماء ويتلذذ بأكل الاطفال الصغار كل ليلة. الاخر قال انه يتحول الى وحش مرعب عند حلول المساء ويفترس كل من يحاول الاقتراب من شقته الصغيرة.
____________
عندما لامست سن الشباب ,عرفت القصة الحقيقية للاستاذ محروس, علمت أنه قضى اغلب عمره فى هولندا مدرسا للفلسفة والمنطق فى جامعة (لاهاى)...تزوج هولندية وانجب منها طفلين , ماتوا جميعا فى حادث سيارة , ولم ينج منه الا هو الذى قرر ترك هولندا كلها والعودة الى مصر.
حاول ان يتأقلم مع وضعه الجديد فى مصر , حاول ان يدرس الفلسفة والمنطق , الا انه لم يجد قبولا واسعا,فلجأ الى تاليف كتبا يضع فيها خلاصة تجاربه فى الحياة , فلم يشترها احد..بل وانتشرت حوله شائعات توصمه بالكفر والالحاد, كان مصدر هذه الشائعات الشيخ(مجاهد)...شيخ المسجد الذى سمعته ذات مرة يقسم باغلظ الايمان قائلا:- محروس ده كافر...والله العظيم كافر...
__________
ذات مرة , وانا اتأهب للنزول الى الكلية, سمعت صوتا يشبه الانين المكتوم ينبعث من شقة الاستاذ محروس..تحول الصوت بعد فترة قصيرة الى صرخه قوية..فهرولت نحو الشقة ,, والحذر والخوف يغلفانى ..تذكرت حكايات امى واصدقائى وتوقعت ان اقابل دراكيولا او شيئا شبيها
الا ان هذا لم يحدث قط
وجدت رجلا فى نهاية العقد الخامس من عمره, وقد نبتت لحيته ..وتصبب العرق فوق جبينه
كان يعانى من خطب ما...سألته مابك فاجابنى انه مريض بالسكر ولا بد ان يأخذ حقنة الانسولين فورا لكن الحقن قد نفذت من البيت
هدأت من روعه وانطلقت الى اقرب صيدلية, ابتعت منها النوع المطلوب ثم استدرت متوجها ناحية البيت
________________
بعد ان هدأ الرجل, واستعاد عافيته,قررت أن أفحص الشقة التى طالما كان محرما على دخولها..
شقة تقليدية , لايميزها سوى هذه المكتبة الضخمة التى تحتوى على الاف الكتب ,وراديو عتيق ينبعث منه تلاوة الشيخ عبد الباسط فى رقة ونعومة.
سألت الاستاذ محروس:- لماذا يصورونك على انك وحش او بعبع؟
رد الرجل بهدوء:- ياصغيرى تتجمع جزيئات الماء فى شكل كريستالى متناهى الدقة..فاذا ما القيت نحو الماء حصاة ولو صغيرة,,تعكرت(لاحظ اللفظ ياصغيرى)
"تعكرت" صفحة المياة...واختل توازن الجزيئات المتراصة بجوار بعضها منذ مئات السنين
الناس دوما يريدون ان يعيشوا فى نموذج كريستالى محفوظ.ويكرهون من يغير ترتيبهم.
أعجبنى الرد جدا, ومن يومها تكونت بينى وبين الاستاذ محروس صداقة قوية, علمنى خلالها الكثير, علمنى كيف احب الله بالتدبر فى ملكوته, علمنى حكمة الاسباب , ومنظومة الكون المبدعة...التى تجعلك تفكر فى عظمة الخالق
ولما قصصت حكايته على اصدقائى, قرروا جميعا ان يأتوا معى لينهلوا من علم الرجل الغزير, ويستمتعوا بأسلوبه الرائع
فذاع صيته , وبدأت وفود من الشباب تأتى اليه مساء كل اربعاء, وتحولت الشقة الصغيرة.. الى مايشبه المنارة الثقافية
____________
نما علم مايحدث فى شقة الاستاذ محروس الى الشيخ(مجاهد)...واستبد به الحنق والغيظ, فلما جاءت صلاة الجمعة,,اعتلى منبره والشرر يتطاير من عينيه
ثم القى خطبة عصماء, عن المرتد عن دينه,, ختمها بقوله:-واكبر مثال على المرتد هو الاستاذ محروس...الذى يغسل عقول اولادكم ويعلمهم الفلسفة...وما ادراكم ما الفلسفة...انها الكفر والعياذ بالله
افيقوا يامسلمين , وطهروا بيتكم من هذا النجس الكافر
اشتعلت فى صدور المصلين نيران الغضب, وتوجهوا بعد انتهاء الفريضة نحو منزل الاستاذ(محروس)
___________
كان الرجل يرتعد بداخل شقته, ويحاول بصعوبة ان يبتلع ريقه..وانا واصدقائى نحيط بباب شقته نحاول منع الجموع الغفيرة من اقتحام الشقة,الا ان محاولاتنا جميعها باءت بالفشل بعد ان زادت اعداد المتجمهرين..وازاحونا من طريقهم, ثم مسكوا بتلابيب الرجل المسكين.واوسعوه ضربا , ثم اشعلوا فى بدنه النيران,وصيحات التكبير تتعالى وتحيط بالمشهد الدموى
____________
وبعد ان انتهوا من مهمتهم , وجدت الشيخ مجاهد ينظر لى نظرة جمعت بين الزهو واالتهديد..:كأنه يتوعدنى بمصير مشابه للاستاذ محروس
الا اننى سددت نظرى قويا تجاهه , ورغم ان الدموع كانت ماتزال تملأ عينى ,الا اننى احسست ف عينيه الخوف مما تنطق به عينى
احسست ان رسالة تحملها عينى ودموعى وصلته...وبقوة
وكأن عينى كانت تحدثانه قائلة: من الممكن ان يموت الشخص. لكنه من المستحيل ان تموت الفكرة
__________
بقلم:-محمد عبد العزيز
2-10-2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق