لعلّى أكون أنا ساعى البريد الوحيد فى هذا العالم الفسيح, الذى يعشق مهنته الى هذا الحد, يمكنك أن تقول اننى بالفعل متيم بهذه المهنه, التى اعتبرها اسمى المهن ,فأن تكون حلقة الوصل التى خلقها الله لتربط بين شخصين قد يفصل بينهما الاف الاميال,أن تكون حاملا لكلمات قد تبعث الامل فى جسد استبد به اليأس , ان تكون كفرشاة ترسم بسمة ...
See more
على قلب اضناه الهجر والفراق,,أن تكون كل هذا واكثر يجعلك عاشقا لهذه المهنة...عاشقا لها حتى النخاع.
وقد يكون رأيى هذا مثار لسخرية الموظفين الشابين الجدد اللذان تم تعيينهما مؤخرا فى مكتب البريد,(وائل)و (عمرو)..اللذان حاولت أن اجعلهما يعشقان مهنتهما الجديدة, الا انهما كانا يتلقيان كلامى بمنتهى السخرية...يقولان أننى أعيش وهماً جميلا لايتناسب مع عصر اصبحت فيه الرسالة لاتستغرق بضع ثوان حتى تجدها على شاشة المحمول او الكمبيوتر,اختفى فيه القلم الحبر ذو الرائحة المميزة, واستبدل بأزرار وشاشات سهلة اللمس.
كانا يجلسان فى المكتب اغلب الوقت, يكدسان جوارهما مئات الرسائل, التى كنت انظر اليها بشفقة , واتمنى لو اننى استطعت ان اوصلهم جميعا الى من ينتظرونهم فى لهفة وشوق.
فأنا أنظر للرسالة وكأنها كائن حى,ينبض بالروح والحياة,أحذر أن يصيبها خدش بسيط أو تقع منى نقطة عرق فوق المظروف الخارجى, ثم اصطحب الرسائل فوق دراجتى, ولا اتنفس الصعداء الا حين ان اراهم سالمين بين يدى المرسل اليهم.
___________
وكرجل عجوز قارب على سن المعاش, أزعم اننى طفت القاهرة كلها, واوصلت رسائل لاغلب بيوتها ومصالحها وشركاتها, الا اننى كنت اعشق اليوم الذى اذهب فيه الى حى الجمالية,ذلك الحى الذى اشتم فيه رائحة مصر القديمة, والمح فيه وجوه تذكرنى بأجمل ايامى فى الستينات والسبعينيات,مازالت البيوت تحمل هذا الطابع المميز , صحيح ان الناس طباعها تغيرت كثيرا الا ان المنطقة مازالت تحمل سحرا يجعل قلبى يهفو دائما للمجئ مرة تلو اخرى.
صارت بينى وبين سكانها صداقة امتدت عبر سنوات طوال, وكأننى تحولت الى فرد من عائلاتهم, كنت انتظر الرسالة التى يرسلها (شوقى عبد الحميد) الى امه المسنة الحاجة (عواطف ) ...شوقى الذى انقطعت به سبل العيش فسافر الى السعودية, عاملا بالمعمار ..وانتظر الرسالة التى يرسلها (كمال السيد)الى خطيبته (منار)...التى تنتنظر عودته منذ سبع سنوات, المح فى عينيها الفرحة عندما تشاهدنى وأنا الوح لها بالرسالة, فيطرب قلبى لفرحتها.
كان اهالى الجمالية ينتظرون يوم قدومى, ليطمئنوا على اهلهم و ذويهم,وهذا ماكان يجعلنى اشعر بفرحة هائلة, حين اسلم رسائل لاب مشتاق لابنه, او لزوجة يستبد بها القلق على زوجها..
الا ان شخصا واحدا لم استطع ان اسعده ولو برسالة واحدة...الاستاذ (عادل ايوب)
________________
يقطن الاستاذ عادل فى شقة متواضعة .,ذات جدران متهالكة,يقطن فيها وحيدا بعد موت زوجته , لم يرزقا بأطفال طوال حياتهم, الا انهما عاشا كعاشقين طوال 30 عاما...كان عادل يعمل محاسبا فى البنك الاهلى , صحيح ان راتبه بالكاد يكفى ايجار هذه الشقة,والاكل والشرب., الا أنه زوجته لطالما وقفت بجواره وآزرته..لم تشعره يوما بنقص أو بعجز, لذلك هو الان يسترجع كل يوم قضياه سويا ...بحلوه ومره .., ويشتم رائحتها فى كل ركن من اركان البيت القديم...
وهو الان فى انتظار رسالة...
لايعلم على وجه التحديد من سيقوم بارسالها, ولكنه ومنذ ان توفيت زوجته فى انتظار هذة الرسالة,هو يعتقد ان هناك احد ما بالعالم سيرسل له رسالة...هناك احد ما يهتم لامره وسيقوم بارسالها,, قد يكون هذا الشخص يقطن كوخا بجوار شاطئ لاتينى, او افريقى باحد غابات اثيوبيا...
كلما قابلته يسألنى:- هل هناك رسالة تخصنى معك.
أرد عليه والأسى يقطر منى:- للاسف يا استاذ عادل...ليس بعد
_______________
وعندما قررت الوزارة تجديد مكتب البريد, كان على أن أنظف مكتبى , وان اتخلص من رسائل قديمة لم تصل الى مستحقيها, وبينما أملأ جوالا بالرسائل القديمة, اذا بعينى تقع على رسالة تحولت غلافها الى اللون الاصفر بفعل الزمن , مكتوب على ظهرها, المرسل اليه:- الاستاذ عادل ايوب
احتضنت الرسالة كطفل وليد, وفضضت المظروف لأقرأ مابها, فتبينت انها رسالة من الشركة السعودية للتأمينات تدعو الاستاذ عادل للعمل بها, وحددت يوم الثلاثاء 25-6-1982 وارفقت بالرسالة تذكرة السفر على خطوط شركة مصر للطيران,..
هذا معناه ان هذه الرسالة لو كانت وصلت الى يد الاستاذ عادل, كانت ستغير حياته راسا على عقب , ولربما لم يلتق بحب عمره, ولربما تحول الى شخص اخر تماما...
لكن مهلا....
هناك صحيفة قديمة كانت تلف مجموعة الرسائل...كانت جريدة الجمهورية بتاريخ 25-6-1982
كان المانشيت الرئيسى باللون الاحمر:- سقوط طائرة مصر للطيران ووفاة طاقمها وجميع ركابها..
_______________
كنت قد قررت أن احمل الرسالة الى الاستاذ عادل
استقليت دراجتى وانطلقت نحو الجمالية باقصى سرعة
الا اننى وفى منتصف الطريق...راجعت نفسى مرة اخرى
هذة الرسالة ورغم اهميتها...الا انها ستكون اخر رسالة يتلقاها الاستاذ عادل
لذلك قررت الا اذهب اليه....وان اعود ادراجى ثانية
فضلت ان يظل الاستاذ عادل ....فى انتظار الامل
فى انتظار رسالــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــة
________________
محمد عبد العزيز
4-10-2012
وقد يكون رأيى هذا مثار لسخرية الموظفين الشابين الجدد اللذان تم تعيينهما مؤخرا فى مكتب البريد,(وائل)و (عمرو)..اللذان حاولت أن اجعلهما يعشقان مهنتهما الجديدة, الا انهما كانا يتلقيان كلامى بمنتهى السخرية...يقولان أننى أعيش وهماً جميلا لايتناسب مع عصر اصبحت فيه الرسالة لاتستغرق بضع ثوان حتى تجدها على شاشة المحمول او الكمبيوتر,اختفى فيه القلم الحبر ذو الرائحة المميزة, واستبدل بأزرار وشاشات سهلة اللمس.
كانا يجلسان فى المكتب اغلب الوقت, يكدسان جوارهما مئات الرسائل, التى كنت انظر اليها بشفقة , واتمنى لو اننى استطعت ان اوصلهم جميعا الى من ينتظرونهم فى لهفة وشوق.
فأنا أنظر للرسالة وكأنها كائن حى,ينبض بالروح والحياة,أحذر أن يصيبها خدش بسيط أو تقع منى نقطة عرق فوق المظروف الخارجى, ثم اصطحب الرسائل فوق دراجتى, ولا اتنفس الصعداء الا حين ان اراهم سالمين بين يدى المرسل اليهم.
___________
وكرجل عجوز قارب على سن المعاش, أزعم اننى طفت القاهرة كلها, واوصلت رسائل لاغلب بيوتها ومصالحها وشركاتها, الا اننى كنت اعشق اليوم الذى اذهب فيه الى حى الجمالية,ذلك الحى الذى اشتم فيه رائحة مصر القديمة, والمح فيه وجوه تذكرنى بأجمل ايامى فى الستينات والسبعينيات,مازالت البيوت تحمل هذا الطابع المميز , صحيح ان الناس طباعها تغيرت كثيرا الا ان المنطقة مازالت تحمل سحرا يجعل قلبى يهفو دائما للمجئ مرة تلو اخرى.
صارت بينى وبين سكانها صداقة امتدت عبر سنوات طوال, وكأننى تحولت الى فرد من عائلاتهم, كنت انتظر الرسالة التى يرسلها (شوقى عبد الحميد) الى امه المسنة الحاجة (عواطف ) ...شوقى الذى انقطعت به سبل العيش فسافر الى السعودية, عاملا بالمعمار ..وانتظر الرسالة التى يرسلها (كمال السيد)الى خطيبته (منار)...التى تنتنظر عودته منذ سبع سنوات, المح فى عينيها الفرحة عندما تشاهدنى وأنا الوح لها بالرسالة, فيطرب قلبى لفرحتها.
كان اهالى الجمالية ينتظرون يوم قدومى, ليطمئنوا على اهلهم و ذويهم,وهذا ماكان يجعلنى اشعر بفرحة هائلة, حين اسلم رسائل لاب مشتاق لابنه, او لزوجة يستبد بها القلق على زوجها..
الا ان شخصا واحدا لم استطع ان اسعده ولو برسالة واحدة...الاستاذ (عادل ايوب)
________________
يقطن الاستاذ عادل فى شقة متواضعة .,ذات جدران متهالكة,يقطن فيها وحيدا بعد موت زوجته , لم يرزقا بأطفال طوال حياتهم, الا انهما عاشا كعاشقين طوال 30 عاما...كان عادل يعمل محاسبا فى البنك الاهلى , صحيح ان راتبه بالكاد يكفى ايجار هذه الشقة,والاكل والشرب., الا أنه زوجته لطالما وقفت بجواره وآزرته..لم تشعره يوما بنقص أو بعجز, لذلك هو الان يسترجع كل يوم قضياه سويا ...بحلوه ومره .., ويشتم رائحتها فى كل ركن من اركان البيت القديم...
وهو الان فى انتظار رسالة...
لايعلم على وجه التحديد من سيقوم بارسالها, ولكنه ومنذ ان توفيت زوجته فى انتظار هذة الرسالة,هو يعتقد ان هناك احد ما بالعالم سيرسل له رسالة...هناك احد ما يهتم لامره وسيقوم بارسالها,, قد يكون هذا الشخص يقطن كوخا بجوار شاطئ لاتينى, او افريقى باحد غابات اثيوبيا...
كلما قابلته يسألنى:- هل هناك رسالة تخصنى معك.
أرد عليه والأسى يقطر منى:- للاسف يا استاذ عادل...ليس بعد
_______________
وعندما قررت الوزارة تجديد مكتب البريد, كان على أن أنظف مكتبى , وان اتخلص من رسائل قديمة لم تصل الى مستحقيها, وبينما أملأ جوالا بالرسائل القديمة, اذا بعينى تقع على رسالة تحولت غلافها الى اللون الاصفر بفعل الزمن , مكتوب على ظهرها, المرسل اليه:- الاستاذ عادل ايوب
احتضنت الرسالة كطفل وليد, وفضضت المظروف لأقرأ مابها, فتبينت انها رسالة من الشركة السعودية للتأمينات تدعو الاستاذ عادل للعمل بها, وحددت يوم الثلاثاء 25-6-1982 وارفقت بالرسالة تذكرة السفر على خطوط شركة مصر للطيران,..
هذا معناه ان هذه الرسالة لو كانت وصلت الى يد الاستاذ عادل, كانت ستغير حياته راسا على عقب , ولربما لم يلتق بحب عمره, ولربما تحول الى شخص اخر تماما...
لكن مهلا....
هناك صحيفة قديمة كانت تلف مجموعة الرسائل...كانت جريدة الجمهورية بتاريخ 25-6-1982
كان المانشيت الرئيسى باللون الاحمر:- سقوط طائرة مصر للطيران ووفاة طاقمها وجميع ركابها..
_______________
كنت قد قررت أن احمل الرسالة الى الاستاذ عادل
استقليت دراجتى وانطلقت نحو الجمالية باقصى سرعة
الا اننى وفى منتصف الطريق...راجعت نفسى مرة اخرى
هذة الرسالة ورغم اهميتها...الا انها ستكون اخر رسالة يتلقاها الاستاذ عادل
لذلك قررت الا اذهب اليه....وان اعود ادراجى ثانية
فضلت ان يظل الاستاذ عادل ....فى انتظار الامل
فى انتظار رسالــــــــــــــــــــــــــ
________________
محمد عبد العزيز
4-10-2012

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق