الخميس، 15 نوفمبر 2012

قصة حياتك......."قصة قصيرة".........محمد عبد العزيز

قصة حياتك......."قصة قصيرة"
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 كلهم ماتوا عند سن ال 40
 أبوه وعمه واخوه الاكبر...وحتى خاله الوحيد مات عند نفس العمر
 وكأن كل ذكور عائلته مقدر لهم ان يفتك بهم هذا المرض اللعين(اللوكيميا)...ويرديهم بلا رحمة...وفى عز شبابهم.
 هو الان ايضا يقترب من خط تماس هذا العمر،وبعد حياة لم تكن حافلة بأى حال من الاحوال، هاهو على وشك مواجهة ذاك الوحش المرعب الذى ظل طوال عمره، يحاول الفرارمنه.
 وذلك ماحول حياته الى جحيم مستعر....جحيم لايطاق.
 ترك عمله كمحاسب باحدى شركات الصرافة،وساء خلقه مع زوجته وابنه الوحيد (اياد)،كانت فكرة الموت تسيطر على جميع حواسه فلم يكن لينتبه لمن حوله , كان شارد الذهن بلا توقف...مما جعله وكأنه يعيش بقوقعته الخاصة التى لايشاركه فيها أحد...
 لم يكن خائفا من فكرة اقتراب الموت فقط، بل كان ايضا يخشى على زوجته العاشقة له من مصير قاتم،وحزن سيحتل كل ضلوعها بعد مماته,وكان يخشى على ابنه الوحيد من تكرار نفس السيناريو...ان يموت عند ال 40
 الغريب انه لم يصب باللوكيميا حتى الان،فقد دأب على اجراء اشعة وتحليلات كل فترة ليطمئن على عدم توغل هذا الوحش اللعين داخل جسده واوصاله.
 كان على الرغم من ذلك..قد استبد به اليأس، وانطفات مصابيح حياته....حتى رأى هذا الاعلان العجيب,فى احدى الصحف الصفراء..
 كان اعلانا جانبيا يكاد يرى بالعين المجردة...احتل احدى اركان الصحيفة وكان مكتوبا ب(فونت)...مختلف عن باقى كلمات الصحيفة....فونت يماثل الحروف اليونانية القديمة...ولم يكن حجم الخط هو الشئ العجيب فقط،بل كان محتوى الاعلان اكثر غرابة..
 كان الاعلان يقول:-هل تريد معرفة قصة حياتك؟مامضى منها وماهو أت؟ تعالى وزرنا بين (بين الكبير) و(الترسانة)...لا تسأل القديس بولس او تيسوت....اتجه مباشرة تحت الجسر....ميدان النجمة...الشقة رقم 17 .
 كان الاعلان بمثابة لغز عسير التفسير, وعقله لايحتمل اية الغاز...فيكفيه وسواس الموت الذى يقض مضجعه...لكن الاعلان يحمل اجابة سؤاله الازلى الذى يبحث عنه....قصة حياته
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 بعد تفكير عميق قرر ان يأخذ الصحيفة ويتجه الى الدكتور(عونى)...صديق ابيه الصدوق...العالم بالاثريات وخبير فك الرموز والشفرات.
 استقبله الرجل ذو الجسد البدين، والنظارة الدائرية المتصلة بسلسلة استقرت فى جيب قميصه,استقبله بمنتهى الترحاب,وبعد فترة ليست طويلة اطلعه على الاعلان الغريب
 قرب عونى نظارته من الصحيفة,ودقق فى كلمات الاعلان مليا,ثم رفع رأسه عنها وارتسمت على ملامحه علامات الابتسام...
 ثم بادر قائلا:- هل مازالت هذه الفكرة تسيطر على عقلك ياصغيرى
 هز احمد راسه ايجابا وقال لعونى:- نعم يادكتور عونى...انت تعرف ماحدث لابى ولاعمامى وخالى واخى...اريد ان اعرف اذا ماكنت سالقى نفس مصيرهم ام لا...
 تنهد عونى وقال:- وماذا ستستفيد اذا علمت مصيرك؟
 قال احمد:- انتظار الموت يادكتور عونى.....اقسى من الموت ذاته.
 قال عونى باستنكار:- كل البشر سيموتون ياصغيرى...ولكنهم لاينتظرونه مثلك هكذا...الموت سيأتينا جميعا،والموت عكس الحياة...فاذا فكر الناس فيه اكثر من تفكيرهم فى الحياة...فحياتهم ستفقد اى معنى ...ستتحول الى موت ايضا..ولكنه موت بطئ
 رد احمد:- لكن ليس كل البشر مات ابائهم واعمامهم عند نفس السن يادكتور...ارجوك يادكتور انت لاتعلم كيف سيريحنى هذا....ارجوك فك شفرة هذا الاعلان العجيب...بحق صداقتك انت وابى رحمه الله.
 هز عونى راسه فى اسى...ثم قال:- سافسر لك مايقصده الاعلان...انه يقصد ان تتوجه الى مابين ساعة (بيج بين:- بين الكبير)....والترسانه( هو ترجمة الارسنال...وهو نادى انجليزى شهير)....ثم تمر عبر كنيسة القديس بولس ومتحف مدام تيسوت دون ان تتوقف...الى ان تصل هذا الجسر الشهير...هناك ستسأل عن شقة رقم 17...
 سكت عونى هنيهة ثم قال :- يبدو انه يجب عليك ان تتوجه الى لندن ياصغيرى
 اتسعت عينا احمد ...ورد فى لهفة ،ودون تردد:- سأذهب الى لندن....سأذهب غدا
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 كانت سماء لندن كعادتها ممتلئة بضباب رمادى...وكان البرد يقرص اطراف احمد دون هوادة على الرغم من المعطف الثقيل الذى يرتديه...
 استقل احمد تاكسى لندن المميز بلونه الاسود وطرازه العتيق،وانطلق التاكسى يجوب شوارع لندن الممطرة...حتى وصل احمد الى مبتغاه....الشقة رقم 17
 نقد السائق 10 جنيهات استرلينى...ثم ترجل حتى وقف متسمرا امام هذا البيت الكلاسيكى الذى يحمل ملامح البيوت الانجليزية العتيقة،ونظر الى اللوحة المعدنية التى تحمل رقم 17 ، ثم قرع الجرس.
 خرج عليه رجل فى العقد السادس من عمره ...تملا التجاعيد وجهه الا انه يتمتع بصحة جيدة مقارنة بسنه الكبيرة..
 رحب به الرجل ...ودعاه الى الدخول وعرفه بنفسه قائلا :- انا السير(ديفيد سميث)....انا هنا لمساعدة الحائرين مثلك ...والمشتاقين لمعرفة قصص حياتهم.
 قال احمد مستفسرا:- ولكن عندى سؤال سير(ديفيد)...ماذا تستفيد من قيامك بمثل هذا العمل؟
 ابتسم ديفيد واجاب:- يمكنك ان تعتبرنى خادما متطوعا لراحة عقول الحائرين...الذين يصرون على معرفة مصيرهم المنتظر.
 سأله احمد ثانية:- ولكن اعذرنى ياسير ديفيد...كيف عرفت قصة حياتى...وهذا شئ غيبى بحت لايعلمه سوى الله.
 اجابه ديفيد بثقة:- لا تتعجل ياصديقى....ستعرف اجابة سؤالك هذا قريبا.فقط لاتتعجل
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 اصطحبه السير (ديفيد)...نحو قبو عتيق...وانفتح الباب تلقائيا...ليطالع احمد اكبر واضخم مكتبة رأتها عيناه....مكتبة يقبع بأرففها ملايين الكتب...كل كتاب يحمل اسم شخص ما...
 وكأن ديفيد قد قرأ مايدور بذهن احمد...فقال له:- ماتظنه صحيحا ياصديقى ،فهذه ليست مكتبة عادية...انما هى مكتبة تحوى قصص حياة البشر....كل البشر.
 اتسعت عينا احمد وفغر فاه...وتسارعت دقات قلبه، فهاهو على بعد خطوات قليلة من كشف السر الذى ظل يبحث عنه سنين عمره....وجال بعينيه فى ارجاء المكتبة العملاقة،لعله يلمح اسمه...ثم فاجأه ديفيد وتقدم مباشرة نحو احدى الارفف، ثم مد يديه ليستخرج كتابا ضخما...يحمل اسمه...وكانت احرف الاسم مكتوبة بمياه ذهبية تالقت مع انعكاس الضوء عليها.
 ناوله ديفيد الكتاب الضخم....وتلقفه احمد بمزيج من اللهفة والحماس,وبدأ فى تقليب صفحاته...الا ان صوت ديفيد انتزعه من بين صفحات الكتاب قائلا:-
 -هذا هو الجزء الاول من قصة حياتك ياسيد (احمد)....ستقرأه الليلة ...لقد حجزت لك غرفة فى فندق (دورشستر بارك لين)...ستطالع هذا الجزء جيدا...ثم غدا سأسلمك الجزء الثانى والاخير..
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 خرج احمد وبيديه الكتاب الضخم...صحيح انه كان يريد القصة كاملة الا انه قال لنفسه...لاضير ان اصبر يوما واحدا...
 استقل التاكسى وتوجه الى دورشستر ...حيث وجد هناك بالفعل غرفة باسمه....ثم استقل المصعد وتوجه نحو غرفته...وعلى الرغم من الانهاك الذى كان يحاصره, فقد اصر على السهر ليقرأ الكتاب
 كانت كل صفحة من الكتاب تتطابق مع كل حدث ولو كان صغيرا فى حياته...حتى بعض المواقف التى نساها بفعل الزمن ...قرأها فى الكتاب،كان الكتاب يحكى كل تفاصيل حياته...طفولته ومراهقته وشبابه...كان يحكى ادق التفاصيل...بطريقة ادهشت احمد وجعلته مشتاق وبقوة لقراءة الجزء الثانى...باسرع وقت
 __________________________
 لم ينم احمد ليلتها ..ارتدى ملابسه بسرعة..وانطلق دون ان يتناول الافطار،استقل تاكسيا ,وظل طوال الطريق يمنى نفسه بالحصول على الجزء التانى من قصة حياته.
 وصل التاكسى...ثم ترجل احمد قليلا...وبحث عن منزل السير (ديفيد)
 لكن المنزل بدا وكانه اختفى....بل ان كل منازل المنطقة ذات الطابع الكلاسيكى قد اختفت...وكانها لم تكن موجودة فى الاساس.
 تحولت المنازل الخشبية العتيقة الى منازل اسمنتية صماء
 لم يلمح اثرا لمنزل السير ديفيد ....لكنه لمح اللوحة المعدنية التى تحمل الرقم 17
 توجه بسرعة نحوها ودق جرس الباب بقوة...فخرجت له سيدة ذات ملامح انجليزية صميمة...سألها فى لهفة:-
 هل السير (ديفيد سميث) موجود؟
 بدا على ملامح المرأة الاستغراب والدهشة وقالت:- لايوجد هنا احد يدعى (ديفيد سميث)...هذا منزلى ومعى بنتى (جلوريا)...ربما تقصد العم (ديفيد سميث)...الذى كان يقطن هنا ...ولكن هذا كان منذ 100 عام تقريبا
 ملأت عينا احمد كل علامات الدهشة
 وارتسمت بعقله كل علامات استفهام الدنيا..
 ترك السيدة ...ومشى منكس الرأس ...وغشاوة عميقة قد صنعتها دموعه الساخنة
 ولم يستمع الى صرخة السيدة التى كانت تحاول ان تحذره:- احذر ياسيدى هناك عربة مسرعة قادمة.
 كانت عربة شحن ثقيلة تعبر الشارع....لم ينتبه لها احمد ، كان السائق مخمورا والعربة تنطلق بسرعتها القصوى.
 اطاحت العربة بجسد احمد الهزيل...فهوى على الارض مدرجا بدمائه الغزيرة
 فانطلقت روحه تعانق السماء...
 مات احمد ...دون ان يقرا النصف الاخر
 النصف الاخر من قصة حياته.
 ___________________
 بقلم:-محمد عبد العزيز
 14-11-2012
 ملحوظة:- هذه القصة قصيرة حاليا....رواية مستقبلا بعون الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق